فی التقسیم و الحکم للاقل و الاکثر الارتباطیین

التمهید:

إن العلم الإجمالي بثبوت التكليف من الشك في المكلف به، یتصور علی نحوین أحدهما بین المتباينين و أخری بین الأقل و الأكثر الارتباطيين و لکن هذا التقسیم فی الشبهه الوجوبیه و لیس فی الشبهه التحریمیه فالشبهه الوجوبیه ینقسم بکلا القسمین[1]. أما المتباینان: هو ما لاینطبق أحد طرفي الترديد على الآخر و التباین علی نحوین: إما أن تکون ذاتیا مثل الصلاه و الصدقه و إما عرضيا مثل القصر و التمام، فان القصر بعض التمام و لكنها أخذت بشرط لا و التمام بشرط شي‏ء صارا متباينين بالعرض. و أما الأقل و الأكثر: فطرفا الترديد يمكن اجتماعهما بإتيان الأكثر. ولکن ادعی بعض إمکان تصویره فی الشبهه التحریمیه و البحث عنها كما يجري في الشبهات الوجوبيه كذلك يجري في الشبهات التحريميه، بأن كان المحرّم هو الأكثر أو المقيد، و يمكن التمثيل له بحرمه تصوير تمام الجسم من ذوات الأرواح، و حرمه حلق تمام اللحيه، فان الأقل منهما و هو تصوير بعضه و حلق بعض اللحيه مشكوك الحرمه[2] خالف فی ذلک الشهید الصدر(ره) بأن حال الوجوب غیر حال الحرمه لأن وجوب الأکثر هو الأشد مئونه و لکن حرمه الأکثر هی الأخف مئونه[3].

   و أماأن الإرتباطی بین طرفیها ملازمه ثبوتا و إثباتا والحکم واحد فیها و الأمر المتعلق بالأقل نفسي استقلالي کما کان فی الأکثر کذلک و يترتب الغرض علي الأقل و لو مع عدم تحقق الأكثر فان أداء الأقل يوجب سقوط امرها و ان كان الأكثر واجبا واقعا[4]، و أن الأقل یغایر الأکثر حکما و وجوبا، ملاکا و غرضا، طاعه و امتثالا[5] و النزاع هنا مبنی على انحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي بوجوب الأقل و شك بدوي في وجوب الاکثر هو من الشك في التكليف و اما بناء على عدم الانحلال هو من الشك في المكلف به.

أقسام الأقل و الأكثر الارتباطيين

   تنقسم الشیخ الأعظم الأنصاری(ره) الأقل و الأکثر الإرتباطیین بإعتبار أن مرجعه إلی الشک فی جزئیه شیء للمامور به و عدمها و الجزء المشکوک إما جزء خارجی أو جزء ذهنی و هو القید و القید إما منتزع من أمر خارجی مغایر للماموربه فی الوجود الخارجی و إما خصوصیه متحده فی الوجود مع الماموربه فإنه(ره) عقد المسائل فی أربعه مسائل علی نهجه فی مباحث الأصول العملیه لأن الشك في الأقل و الأكثر الارتباطيين من ناحيه الجزء الخارجي، باعتبار منشأ الشك من كونه تاره فقد النص و أخرى إجماله و ثالثه تعارضه و رابعه اشتباه الأمور الخارجيه، و عقد مسأله واحده للشك في القيد لأنه إعتقد بعدم الفرق فی الحکم لها من محل الإنتزاع[6].

و ینقسم المحقق الخراسانی(ره) و لکن لا بملاک تقسیم الشیخ(ره) لأنه لایلتزم بملاک تقسیم منشأ الشک علی هذا النهج فلذا ینقسم بهذا التقسیم و لکن لایذکر التقسیم فی الکفایه بل یذکره فی حاشیه الرسائل:

  1. الأكثر کان زائدا على الأقل بحسب الوجود الخارجي فهی من مقوله الكم.

  2. الأکثر کان زائدا علي الأقل بحسب الوجود الذهني فهی من مقولة الكيف، مثل الشك في الشرطيه و الشك في المانعيه باعتبار أن تقييد المأمور به بعدم المانع كتقييده بوجود الشرط.

  3. الاکثر جزء تحليلي عقلي، و هو ما لا وجود له في الخارج على حده، بل هو و سائر الاجزاء التي تكون كذلك موجوده بوجود واحد، و هذا كالفصول للأنواع.[7]

   تنقسم المحقق النائینی(ره): بأنه إذا کان المتعلق الشبهه الوجوبیه یکون الشک إما فی الجزئیه و هو المرکب الخارجی و إما فی الشرطیه و هو المرکب التحلیلی. و الثانی دورانه بین النوع و الجنس فالشک فی فصله أو دورانه بین المطلق و المقید. و الثانی التقیید إما بوصف خارجی و إما بوصف متحد مع الموصوف فی الوجود.[8]

   فتحصل مما ذکرنا أن البحث فی مقامین: الأول الجزء الخارجی و الثانی الجزء التحلیلی فالثانی لابد من شقوق و هو إما أن یکون الدوران بین المطلق و المشروط و إما أن یکون الدوران بین المطلق و المقید و إما أن یکون بین التعیین و التخییر و سیأتی بیانه إنشاءالله.

المقام الأول: الحکم إذا کان الجزء خارجیا

کما قسمنا آنفا أن قسم الأول هو ما إذا کان الجزء المشکوک الجزء الخارجی، فیها أقوال أربعه:

الأول: جریان البرائه الشرعيه فی الأکثر، فلا بد من الاحتياط عقلا، و هذا هو مختار المحققی الخراسانی(ره)[9] و النائینی(ره)[10].

الثاني: جريان البرائه العقليه و النقليه في الأكثر هذا هو ما اختاره شيخ الأعظم الأنصاری(ره)[11].

الثالث: جریان البرائه العقلیه فی الأکثر و هذا قول الإمام الخمینی(ره)[12].

الرابع: جریان الإحتیاط مطلقا و هذا ما نسب إلی المحقق السبزواری[13].

قول الأول: جریان البرائه الشرعیه فی الأکثر و الإحتیاط عقلا

استدل المحقق الخراسانی(ره) للحکم فی مانحن فیه بالبرائه شرعا و الإحتیاط عقلا. فإنه استدل بنحوین:

الأول: من ناحية منجزيه العلم الإجمالي بالتكليف، کما قال: «والحق أن العلم الأجمالی بثبوت التکلیف بینهما یوجب الإحتیاط عقلا بإتیان الأکثر لتنجزه به حیث تعلق بثبوته فعلا».[14] بعد تنجز العلم الإجمالی بالتکلیف هو مجال الإحتیاط و قاعده الإشتغال یقتضی فراغ الذمه منه کما فی المتباینین.

و أیضا یمکن القول بالاحتیاط فیما إذا کان الأکثر من الأرکان کما قيل: «ان مفروض الكلام هو ما إذا لم يكن الزائد المحتمل وجوبه من الأركان التي يبطل الكل بتركه مطلقا عمدا أو سهوا أو نسيانا كالركوع في الصلاه، بل مثل السوره فيها. لكنه لا يخلو من التأمل، إذ لا فرق في جريان البرائه على القول به بين كون مجراها محتمل الركنية أو غيره كما هو مقتضى إطلاق دليلها»[15].

   و المحقق النائینی(ره) أیضا ذهب إلی قول المحقق الخراسانی(ره) بعدم الإنحلال عقلا و لکن عد استدلاله(ره) هنا و فی أجوبته عن الشیخ(ره)- سیأتی بیان کلام الشیخ(ره)- بأن کلامه من الغرائب و أجاب عنه بأن الإنحلال یتبع الأقل المعلوم علی کل حال و لایتوقف تنجز الأقل علی الأکثر حتی إذا کان الأقل جزءاً للأکثر واقعا و وجوبه مترشح منه إلا أن معلومیته وجدانیه و الإنحلال متفرع علی المعلومیه فلایلزم الخلف و لا یلزم من وجوده عدمه کما ادعی علیه الآخوند(ره) و لکن لا إشکال من شمول أدله البرائه للمقام[16]. و المحقق الخوئی(ره) ذهب إلی مبنی أستاذه المحقق النائینی(ره) و أجاب عن المحقق الخراسانی(ره) بأن هذه المغالطه نشأت من أخذ التنجز علی کل تقدیر شرطا للإنحلال و هذا لیس مراد القائل بالبرائه[17].

   و استدل المحقق النائینی(ره) لعدم الإنحلال عقلا بأن المعلوم وجوب الأقل الجامع بین کونه لابشرط و بشرط شیء و الجامع طبیعه مهمله فینتج قضیه جزئیه لامطلقه فلو کان هناک إنحلال للزم أن یکون العلم الإجمالی منحلا بنفسه و هذا غیرمعقول[18].

   أجاب عنه المحقق الخوئی(ره) بأن ما ذکره متین لو قلنا بالإنحلال الحقیقی ولکنا نقول بالإنحلال الحکمی یحتمل إنطباقه علی خصوصیتی الإطلاق و التقیید و إحداهما مجری الأصل دون الأخری و کان جریان الأصل فی إحداهما فی حکم الإنحلال[19].

   وأما المحقق النائینی(ره) استدل للبرائه الشرعیه بأن دوران الماهیه مأخوذه لابشرط أو بشرط شیء فصارت الماهیه إما مطلقه أو مقیده و التقابل بینهما تقابل العدم و الملکه فیشمل حدیث الرفع للجزء المشکوک و یثبت إطلاق ظاهری فالماهیه المامور بها لیست مقیده فی مقام الظاهر فیتحقق الأنحلال[20].

   أجاب عنه الإمام الخمینی(قدس سره) بأن لابشرط هنا لابشرط المقسمی التی هی نفس الماهیه و هی لم تلحظ معها شیء لا یلاحظ، فحکم علی عدمه. و أقسام الماهیه – لابشرط و بشرط لا و بشرط شیء – إعتبارات علی نفس الماهیه و تلک الأقسام إعتبارات الماهیه فی الذهن و متقوم باللحاظ حتی الماهیه بشرط شیء[21].

الثانی: من ناحيه العلم بالغرض، «أن الغرض الداعی إلی الأمر لایکاد یحرز إلا بالأکثر بناء علی ما ذهب إلیه المشهور من العدلیه من تبعیه الأوامر و النواهی للمصالح و المفاسد فی المامور بها و المنهی عنها و کون الواجبات الشرعیه ألطافا فی الواجبات العقلیه و قد مر اعتبار موافقه الغرض و حصوله عقلا فی إطاعه الأمر و سقوطه فلابد من إحرازه فی إحرازها»[22] فیلزم الإحتیاط و الإتیان بالأکثر.

هذا تعریض عن أجوبه الشیخ(ره) إلی إشکال أن الأوامر الشرعیه من قبیل إبتنائها علی المصالح، فالمصلحه إما من قبیل العنوان و إما من قبیل الغرض و الواجبات الشرعیه ألطاف للواجبات العقلیه فیلزم إتیان کل ما شک فی مدخلیته أما جواب الشیخ(ره) بأن مسأله البرائه و الإحتیاط غیر مبنیه علی کون کل واجب فیه مصلحه و هو لطف فنحن نتکلم فیها علی مذهب الأشاعره المنکرین للحسن و القبح أو علی مذهب العدلیه علی أن المصلحه فی نفس الأمر لا مأموربه[23].

أجاب الآخوند(ره)عن جواب الشیخ(ره) بأن الحکم علی مذهب الأشاعره لایجدی لمن ذهب علی مذهب العدلیه و التمسک بقول غیرالمشهور و هو وجود المصلحه فی نفس الأمر لایمکن التفصی عن ذلک لإحتمال وجود الغرض فی نفس المأمور به و علی هذا الإحتمال لایمکن الإقتصار علی الأقل لعدم العلم بحصول الغرض منه[24].

أجاب عن هذا الإستدلال الإمام الخمینی(قدس سره) بأن تبعیه الأوامر و النواهی للمصالح و المفاسد فی المامور بها و المنهی عنها من المسائل الکلامیه و أمثال ذلک لاتثبت دعوی کون الأوامر النفسیه متعلقه بتلک العناوین أو فی المأمور بها أو فی منهی عنها لإمکان أن یکون الغرض فی نفس الأمر أو تلک المتعلقات محبوبات ذاتیه من قبیل نفس الأغراض أو أمر آخر لانعلمه[25].

قول الثانی: جريان البرائه العقليه و النقليه

   الشيخ الأعظم الأنصاری(ره) استدل بجريان البرائه العقليه و النقليه في المقام مستدلا بجریان الانحلال فیها، و ذکر وجهین للانحلال: الاول على أن العلم بوجوب الأقل تفصيلا اما نفسيا و اما غيريا، و الثاني على أن العلم بوجوب الأقل نفسيا كذلك اما ضمنيا و اما استقلاليا، و لکن أجاب صاحب الکفایه(ره) عن أول طریقه للانحلال من جانب الشيخ الأعظم(ره).

وجه الأول من الإنحلال أن العلم بوجوب الأقل تفصيلا اما نفسيا و اما غيريا لأن العلم بالوجوب المردد بين الأقل و الأكثر ينحل لو كان الأقل هو المأمور به فالوجوب نفسي، أما لو كان المأمور به هو الأكثر فالوجوب غيري، و هو تردده بين النفسي و الغيري، و الملاک في الانحلال هو العلم التفصيلي بالإلزام في أحد الطرفين و إن لم يعلم وجهه بين أنه نفسي أو غيري، إذ الموضوع لحكم العقل باشتغال الذمه هو العلم بذات الوجوب، و أما العلم بخصوصيته فلا يعتبر فيه. فالتكليف منجز فى الأقل و لاینجز فی الأكثر، فالتكليف بالنسبه إليه بلابيان، و هو مجرى قاعده البرائه العقلیه.

وجه الثانی من الإنحلال أن الأمر قد تعلق بالمرکب و الأجزاء واجب بوجوب الضمنی فالأقل وجوبه استقلالی و الأکثر ضمنی و ینحل الواجب فالأقل واجب علی کل حال و یجری فی الأکثر البرائه العقلیه.[26]

أجاب الآخوند(ره) عن وجه الأول فقط بوجهین استلزام الإنحلال للمحال و التناقض.[27]

أما الأول أی المستلزم للمحال توضیحه: أن وجوب المقدمه و بقیه الأوصاف أی المطلق و المقید أو المطلق و المشروط و غیر ذلک تابع لوجوب ذی المقدمه فی التنجز و الفعلیه لأن أصل وجوب المقدمه مترشح و متفرع ثبوتا علی ذی المقدمه. و أن مقتضی الإنحلال عدم تنجز التكليف المعلوم إجمالا بناء على تعلقه بغير ما قامت الحجه على ثبوت التكليف فيه من الأطراف و يعتبر في الإنحلال تنجز الطلب في بعض الأطراف على كل تقدير حتى يتبدل العلم الإجمالي بعلم تفصيلي بالتكليف في ذلك الطرف و شك بدوي في الاخر، فالعلم بوجوب الأقل نفسي أو غيري إنما ينحل إذا كان وجوبه المعلوم بالتفصيل منجّزا على كل تقدير.

و المتحصل أن دعوى انحلال العلم الإجمالي خلاف الفرض، لأن الانحلال متوقف على تنجز وجوب الأقل على كل تقدير، ولکن الواجب لو كان هو الأكثر لايكون وجوب الأقل منجزا، فلا محاله تنجز الأكثر موثر في الانحلال، و هذا هو الخلف و مستلزم للمحال.

   و أما الثانی و هو التناقض توضیحه: أن الإنحلال منوط بالعلم التفصیلی بوجوب الأقل و العلم التفصیلی متوقف علی تنجیز الأقل و الأقل إن کان غیریا فیلزم الأکثر نفسیا و الأقل کان مقدمه للأکثر فتنجیز الأقل متوقفه علی تنجیز الأکثر و هذا مناقض مع أن الأقل منجز علی کل حال سواء کان غیریا أو نفسیا.

   و أما الإمام الخمینی(قدس سره) کان بصدد الجواب عن أجوبتی الآخوند(ره) من الشیخ الأعظم(ره) بأن توهم الوجوب الغیری المقدمی للأقل الناشیء من الأکثر فإن المقدمه تابع فی تنجزه لذی المقدمه. أما إن کان الأجزاء واجبه بعین وجوب الکل لایتوقف وجوب الأقل علی تنجز الأکثر فإن الأمر بالمرکب معلوم و هو الأمر بالأجزاء المعلومه أی ینحل المرکب فتنجز الأمر بالأقل عین تنجز الأمر بالمرکب و لایتوقف وجوبه علی شیء آخر[28].

   و أما المحقق الخوئی(ره) أجاب عن وجه الأول من استدلال الشیخ الأعظم(ره) بأن وجوب الغیری ناشیء عن توقف وجود علی وجود آخر و المرکب لیس له وجود غیر وجود الأجزاء إلا بالإعتبار و اللحاظ. و أن المعلوم بالإجمال لیس من سنخ معلوم بالتفصیل، لأن المعلوم بالإجمال هو الوجوب النفسی سواء کان متعلقا بالأقل أو بالأکثر و المعلوم بالتفصیل هو الوجوب الجامع بین النفسی و الغیری فلا ینحل العلم الإجمالی.[29]

أجاب الشهید الصدر(ره) عن إستدلال الأول للشیخ الأعظم(ره) بأن الإنحلال إن کان حقیقیا فإنه فیما إذا کان المعلوم بالتفصیل من مصادیق الجامع و لکن المقام غیر ذلک لأن الجامع هو معلوم إجمالی و هو الوجوب النفسی و المعلوم التفصیلی وجوب الأقل و لو کان غیریا و هذا لایوجب الإنحلال و أما إن کان الإنحلال حکمیا فالوجوب الغیری لیس منجزا بل النفسی منجز فالجامع لیس منجزا علی کل تقدیر[30].

قول الثالث: جریان البرائه العقلیه

ذهب فرید عصرنا الإمام الخمینی(قدس سره) بجریان البرائه العقلیه بهذا التقریب و التلخیص: أولا المرکب إما حقیقی و إما اعتباری و الأجزاء فی الأول یخرج عن التأثیر بالإستقلالیه و صارت صوره وحدانیه و الثانی بقی علی فعلیتها التکوینیه لکن لم تلاحظ استقلالا و لها وجود و وحده غیر ما للأجزاء و حصول الوحده الإعتباری کالوجود الإعتباری. ثانیا کیفیه تحصل المرکب فی ذهن الآمر غالبا عکس کیفیه إتیانه فی الخارج أی المولی یتصور الأجزاء ثم یلاحظها علی نعت الوحده ثم یجعلها موضوعا للأمر بخلاف المأمور تصور الوحده ثم أتی بالأجزاء. ثالثا لیست الأجزاء متعلقه للأمر بل الأمر واحد یتعلق بواحد لکن هذا الأمر الوحدانی یکون داعیا إلی إتیان الأجزاء. رابعا الحجه التی تعلق بالمرکب یکون حجه علی الأجزاء التی علم بترکب المرکب منها فمع الشک فی دخاله شیء فی المرکب و اعتباره فیه لایکون الأمر بالمرکب حجه علیه [31] فالحاصل: أن الأصل العقلی فی هذا الباب هو البرائه فإذا قامت الحجه علی عده أجزاء للمرکب و شک فی إعتبار جزئیه شیء آخر أتی بما قامت الحجه علیه و ترک بما هو المشکوک و لایعد عاصیا و یکون العقاب علی ترکه بلا بیان و لابرهان.[32]

أجاب عنه سیدنا الأستاذ سماحه آیت الله الموسوی الجزایری(دامت برکاته) بأن الحجیه أو التعذیر و التنجیز محمول علی الحکم و هو الوجوب لا متعلقه و الحکم واحد و الأجزاء مستهلکه فیه. نعم إن نلتزم بتبعض التنجیز خلافا لصاحب الکفایه(ره) یمکن الإلتزام بقول الإمام الخمینی(قدس سره) مع تسامح[33].

القول الرابع: وجوب الإحتیاط مطلقا

   الشیخ الأنصاری(ره) نقل أنه لم أعثر فی کلمات من تقدم علی المحقق السبزواری علی وجوب الإحتیاط فی الأجزاء و الشرایط ولا داعی لنا لتعرضه به بعد عدم وجود قوله و قائله.

تم هنا البحث عن مقام الأول .

المقام الثانی: إذا کان الجزء تحلیلیا

   لقد عرفنا فی أول البحث أن جزء المشکوک إن کان مستقل فإنه جزء خارجی و إن کان غیر مستقل فیسمی بالجزء التحلیلی فذهب البحث حول قسم الأول و للثانی أقسام بحسب منشأ إنتزاعه فهو إما أمر خارجی مغایر فی الوجود فهو الدوران بین المطلق و المشروط أو غیرمغایر و هو المردد بین المطلق و المقید أو بین التعیین و التخییر.

الأول: دوران المشکوک بین المطلق و المشروط

ذهب المحقق الخراسانی(ره) إلی عدم جریان الإنحلال فی المطلق و المشروط لأن الأجزاء التحلیلیه لایتصف باللزوم من باب المقدمه عقلا حتی یعلم بوجوبها تفصیلا و انحل العلم الإجمالی فالصلاه الفاقده للطهاره مباینه للواجد لها فلایجری البرائه العقلیه و لکن یجری البرائه النقلیه فی خصوص الدوران بین المطلق و المشروط لدلاله حدیث الرفع علی عدم شرطیه ما شک فی شرطیته[34].

   و مختار المحقق النائینی(ره) أیضا الحکم بالبرائه للأدله السابقه[35]. ولکن الإمام الخمینی(قدس سره) إلتزم هنا بالبرائه العقلیه کما ذهب إلیه فی المرکبات الخارجیه لأن داعویه الأمر إلی ذات المشروط معلوم و الشرط مشکوک[36] و ذهب أیضا سیدنا الأستاذ سماحه آیت الله الموسوی الجزایری(دامت برکاته) إلی جریان البرائه بدلیل عدم وجود الفرق بین الجزء المشکوک و شرط المشکوک[37].

الثانی: دوران المشکوک بین المطلق و المقید

   الشیخ الأنصاری(ره) ذهب إلی أن الدوران بین المطلق و المقید من قبیل المتباینین لأن أدله البرائه إنما تنفی کلفه الزائده من فعل المشکوک فالحکم فی الشرط بجمیع أقسامه سواء[38] و أما صاحب الکفایه(ره) إلتزم فی هذا المقام بعدم الإنحلال و عدم جریان البرائه عقلا و لکن یجری البرائه شرعا کما ذهب إلیه فی الحاله السابقه[39].

أورد علیه المحقق الخوئی(ره) بأن الملاک فی الإنحلال جریان الأصول فی بعض الأطراف بلا معارض فالتکلیف بالطبیعه معلوم و لکن الشک فی صفه الإطلاق و التقیید، فلایجری الأصل فی طرف الإطلاق لأنه لیس فیه کلفه و ضیق حتی إرتفع بالأصل و لکن یجری الأصل فی التقیید بلا معارض و ما ذکره الآخوند(ره) من التباین یبتنی علی الأقل، المتیقن فی مقام الإمتثال و لکن الإنحلال یوجد فی مقام تعلق التکلیف و ثبوته فیجری البرائه العقلیه کما یجری الشرعیه[40]. و أما سیدنا الأستاذ آیت الله الموسوی الجزایری(دامت برکاته) إلتزم بأن بیان الحکم واجب علی المولی و لایمکن له العذاب فی الأکثر فالإنحلال حکمی فی التنجیز و یجری البرائه[41].

أورد الإمام الخمینی(قدس سره) علی من زعم بأنهما متباینان و التزم بالإحتیاط: أن من التزم بذلک خلط فی تصویر الکلی الطبیعی فإن التحقیق فیه أنه موجود فی الخارج بنعت الکثره لا التباین لأن الطبیعی هو نفس الماهیه و هی موجوده بتبع الوجود فی الخارج و هی لم تکن بذاتها واحده و لاتکون متکثره بل تکون مع الواحد واحد و مع الکثیر کثیر و الکثره و الوحده فی الخارج و العقل خارجتان عن ذاتها. فالرقبه المومنه ینطبق علیها عنوانان فهی مصداق لمفهومین کما أن الکافره مصداق لمفهومین فالمومنه و الکافره لافرق بینهما فی مصداقیتهما للرقبه فالرقبه معلوم تفصیلا و القید مشکوک فیجری الإنحلال[42].

الثالث: دوران المشکوک بین التخییر و التعیین

   ذهب المحقق الخراسانی(ره) بغیر ماذهب فی القسمین الأولین و لایجری البرائه لأن الخصوصیه ینتزع عن نفس الخاص و لایکون بجعل الجاعل حتی یرتفع برفعه هذا فی عدم جریان البرائه الشرعیه و أما عدم جریان البرائه عقلا فلا یلتزم به من أول الأمر[43]. أورد علیه المحقق الخوئی(ره) بنفس إشکال السابق کما مر[44].

   و أما المحقق النائینی(ره)حکم فی القسمین الآخرین بأن کان المشکوک من قبیل الأمور المتقومه یجری فیه الإشتغال و إن کان المشکوک لایکون کذلک بل کالقیود الخارجیه و إعتباره یحتاج إلی مئونه زائده فی اللحاظ ثبوتا و فی الدال إثباتا یجری فیه البرائه و التمییز بین القسمین محول إلی العرف أما الدوران إن کان من قبیل الأول یکون من قبیل الدوران بین التعیین والتخییر و لأن الأمر المتعلق بالنوع لاینحل إلی الأمر بالجنس و الفصل لأن الشیئیه لاتکون معتبره بالجنس فقط بل تقوم بالفصل و لایکون فی المقام قدر متیقن[45]. أجاب عنه سیدنا الأستاذ آیت الله الموسوی الجزایری(دامت برکاته) بأن الأوامر تعلق فی مقام الجعل و الإنشاء بالطبایع لا علی موجودات الخارجیه حتی یتشخص و یتعین فالبرائه یجری فی المقام[46].

و أما المحقق النائینی(ره) تنقسم دوران التعیین و التخییر فی مقام آخر[47] علی ثلاثه مراحل: الأول مرحله جعل الحکم و الثانی مرحله الحجیه و الثالث مرحله الإمتثال و اختار فی جمیعها التعیین.

   أما المرحله الأولی تنقسمه إلی صور ثلاثه: أحدها تعلق علمه إلی وجوب کل من الفعلین و الشک بین أن یکون الوجوب تعیینیا فأتی بهما معا أو تخییریا فأتی بأحدهما. ثانیها تعلق علمه إلی وجوب فعل وسقوطه عند الإتیان بالآخر و الشک فی أن فعل الآخر عدلا له فأنه تخییری أو أنه تعیینی ولکن مشروط بعدم الآخر. ثالثها تعلق علمه بوجوب فعل و الشک فی أن فعل الآخر عدلا له أو لا.

أجاب عن صور الثلاث المحقق الخوئی(ره) بأن الشک فی الأول إذا لم یتمکن من أحد الفعلین لا أثر له لأنه إما أن یکون تعیینی ذاتا أو عرضا بتعذر عدله. و الثانی لاثمره فیها. الثالث استدل علیه محققی الخراسانی(ره) و النائینی(ره) و أما صاحب الکفایه ذهب إلی أن أخذ الشیء إن کان شرطا للواجب فیحکم بالتخییر لأن الشرطیه أمر قابل للوضع و الرفع وإن کان الخصوصیه تحتمل دخلها فی الواجب فلا یمکن الرجوع إلی البرائه لأن الخصوصیه إنتزع من نفس الخاص فلاتکون قابله للرفع و الوضع[48] أجاب عنه المحقق الخوئی(ره) بأن الإعتبار فی المامور به قابل للوضع و الرفع و إن کان منتزعه من نفس الخاص[49].

   و استدل لها المحقق النائینی(ره) بالتعیین و یجری الإشتغال فیها لأن الشک هنا فی الإمتثال بعد العلم بأصل التکلیف[50]. أجاب عنه المحقق الخوئی(ره) بأن التخییر یمکن أن یکون عقلیا کما یمکن أن یکون شرعیا، أما فی الأول فمتعلق التکلیف بالجامع معلوم و الشک فی متعلقه علی نحو اللابشرط أو بشرط الشیء لأن الثبوت لایکون مهملا فإذا ارتفع احتمال التقیید بالأصل یرتفع الشک بالإمتثال و أما الثانی ایضا هو التخییر لأن تکلیف أحدهما معلوم و الشک فی إطلاقه أو تقییده تجری البرائه عن التقیید.[51]

و استدل أیضا المحقق النائینی(ره) بأن التخییر یحتاج إلی مئونه زائده أی یحتاج ثبوتا إلی لحاظ العدل ویحتاج إثباتا إلی ذکره و بیانه، فلو لم تقم الحجه علیها یحکم بعدمه و یثبت التعیین[52]. أجاب عنه المحقق الخوئی(ره) بأن ما قاله فی مقام الثبوت صحیح إذا کان التخییر شرعیا لأن الجامع هنا إعتباری و هو أحد الشیئین و لکن إذا کان التخییر عقلیا فلایحتاج إلی مئونه زائده لأن الخاص من أفراد العام و ما قاله فی مقام الإثبات إذا کان دلیل لفظی فی المقام نأخذ بإطلاقه و المفروض عدم ذلک الدلیل اللفظی و البحث عن مقتضی أصل العملی و أیضا إستصحابه أصل المثبت[53].

المرحله الثانیه: و هو دوران الأمر فی مقام الحجیه فیحکم فیها بالتعیین لأنا عرفنا فی مباحث الظن بأن الشک فی الحجیه مساوق لعدم الحجیه.

المرحله الثالثه: و هو الدوران فی مقام الإمتثال فیحکم بالتعیین أیضا لأن تصور المقام هو صوره التزاحم بأن هنا واجبین ذو مصلحه ملزمه و لکن أحدهما یسقط عن الفعلیه فإن أتی بالأهم یجزی و إن أتی بالمهم یصح علی مسلک الترتب[54].تم هنا المقام الثانی.

تم البحث عن هذا المبحث الشریف

بتاریخ 8/3/90 ه.ش.

حوزه العلمیه الأهواز

[1] ارشاد العقول ج.3 ص.548

[2] منتهی الدرایه ج.7 ص142

[3] بحوث فی علم الأصول ج5 ص362

[4] منتهی الدرایه ج.7 ص144

[5] ارشاد العقول ج.3 ص.548

[6] فرائد الأصول ج2 ص277

[7] حاشیه الرسائل ص150

[8] أجود التقریرات ج3ص488

[9] کفایه الأصول ج2 ص227

[10] أجود التقریرات ج3 ص492

[11] فرائد الأصول ج2 ص 270

[12] أنوار الهدایه ج2 ص279

[13] فرائد الأصول ج2 ص273

[14] کفایه الأصول ج2 ص 228

[15] منتهی الدرایه ج7 ص146

[16] أجود التقریرات ج3 ص492

[17] مصباح الأصول ج2 ص500

[18] أجود التقریرات ج3 ص 493

[19] مصباح الأصول ج2 ص502

[20] أجود التقریرات ج3 ص494

[21] أنوار الهدایه ج2 ص285

[22] کفایه الأصول ج2 ص228

[23] فرائد الأصول ج2 ص322

[24] کفایه الأصول ج2 ص228

[25] أنوار الهدایه ج2 ص299

[26] فرائد الأصول ج2 ص322

[27] کفایه الأصول ج2 ص 225

[28] أنوار الهدایه ج2 ص 297

[29] مصباح الأصول ج2 ص496

[30] بحوث فی علم الأصول ج5 ص328

[31] هذه المقدمات أربعه من تقریرات المعظم له فی أنوار الهدایه و قد قرر تلمیذه آیت الله السبحانی(دام عزه) فی خمسه مقدمات و قد قرره سیدنا الأستاذ آیت الله موسوی الجزایری(دامت برکاته) فی سته مقدمات.

[32] أنوار الهدایه ج2 ص279

[33] مجلس درسه بتاریخ 20/2/90 ه.ش.

[34] کفایه الأصول ص 417

[35] أجود التقریرات ج3 ص507

[36] أنوار الهدایه ج2 ص 310

[37] مجلس درسه بتاریخ 24/2/90 ه. ش.

[38] فرائد الأصول ص284

[39] کفایه الأصول ص 417

[40] مصباح الأصول ج2 ص517

[41] مجلس درسه الشریف بتاریخ 25/2/90ه.ش.

[42] أنوار الهدایه ج2 ص 311

[43] کفایه الأصول ص 417

[44] مصباح الأصول ج2 ص518

[45] أجود التقریرات ج3 ص508

[46] مجلس درسه الشریف بتاریخ 25/2/90

[47] أجود التقریرات ج3 ص379

[48] کفایه الإول ص 367

[49] مصباح الاصول ج2 ص 522

[50] أجود التقریرات ج3 ص507

[51] مصباح الاصول ج2 ص 522

[52] أجود التقریرات ج3 ص372

[53] مصباح الاصول ج2 ص 527

[54] مصباح الاصول ج2 ص 530

پاسخ دهید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *